شهدت البورصة المصرية خلال الجلستين الأخيرتين تحركًا في قيم التداول، ( إجمالي قيمة عمليات البيع والشراء المادية) بعدما تجاوزت التعاملات حاجز 15 مليار جنيه في الجلسة الواحدة، مقارنة بمتوسط يومي كان يدور حول 12 مليار جنيه خلال الفترات الماضية، وهو ما يعكس حالة من النشاط الاستثنائي في السوق، ويثير تساؤلات حول الأسباب الحقيقية وراء هذه القفزة، وما إذا كانت تمثل بداية مرحلة جديدة من زيادة السيولة أم مجرد موجة مؤقتة مرتبطة بمحفزات معينة.
لا يعكس ارتفاع قيم التداول مجرد زيادة في حجم الأموال المتداولة، بل يمثل أحد أهم المؤشرات التي يقيس بها المستثمرون قوة السوق ومدى جاذبيته، إذ يعني دخول سيولة جديدة وارتفاع وتيرة تنفيذ العمليات، بما يمنح الأسهم قدرة أكبر على التحرك ويزيد من كفاءة التسعير ويعزز ثقة المستثمرين في السوق.
السيولة تعود بقوة.. لماذا ارتفعت قيم التداول؟
جاءت القفزة الأخيرة في قيم التعاملات نتيجة تزامن عدة عوامل إيجابية دفعت المستثمرين إلى زيادة نشاطهم داخل السوق، ففي مقدمة هذه العوامل استمرار الأداء القوي للمؤشرات الرئيسية، وتسجيلها مستويات تاريخية جديدة (الأسهم تحقق مكاسب كبيرة) وهو ما جذب شريحة من المستثمرين الراغبين في الاستفادة من موجة الصعود.
كما لعبت النتائج المالية الجيدة لعدد من الشركات المقيدة دورًا في تنشيط التداولات، إلى جانب استمرار اهتمام المؤسسات المحلية والأجنبية بالأسهم المصرية، في ظل تقييمات لا تزال جاذبة مقارنة بالعديد من الأسواق الإقليمية، الأمر الذي ساهم في ضخ سيولة إضافية داخل السوق.
كذلك شهدت السوق نشاطًا واضحًا على الأسهم القيادية (الأسهم ليها وزن وقوة في البورصة زي سهم cib وسهم مجموعة طلعت مصطفى علشان حجم أعمالهم كبير) وأسهم المضاربات (أسهم المستثمرين بيبيعوا ويشتروا فيها في نفس الجلسة) في الوقت ذاته، ما وسع قاعدة التداولات ورفع إجمالي قيم التعاملات، بعدما لم تقتصر السيولة على عدد محدود من الأسهم كما كان يحدث في بعض الفترات السابقة.
ضريبة الدمغة.. محفز جديد لتنشيط السوق
من بين أبرز العوامل التي دعمت النشاط مؤخرًا بدء تطبيق نظام ضريبة الدمغة الجديد ( ضريبة تخصم على عمليات البيع والشراء بنسبة نص في الألف على قيمة العملية) على تعاملات البورصة، والذي جاء ضمن تعديلات تستهدف تبسيط آلية احتساب الضريبة وتوفير وضوح أكبر للمستثمرين بشأن تكلفة التداول.
رغم أن الضريبة في حد ذاتها تمثل تكلفة على التعاملات، فإن وضوح قواعد التطبيق وإنهاء حالة الترقب التي سبقت التنفيذ أعادا قدرًا من الاستقرار للسوق، وهو ما شجع العديد من المستثمرين على العودة لتنفيذ عمليات البيع والشراء، بعد فترة من الانتظار لمعرفة الشكل النهائي للتطبيق.
كما أن استقرار البيئة الضريبية يساعد المستثمر على بناء قراراته الاستثمارية بصورة أكثر وضوحًا، ويحد من المخاوف المتعلقة بالتغييرات المفاجئة، وهو ما ينعكس تدريجيًا على مستويات السيولة داخل السوق.
ماذا يعني تجاوز 15 مليار جنيه في الجلسة؟
تجاوز قيم التداول مستوى 15 مليار جنيه يحمل دلالات مهمة، أبرزها أن السوق أصبحت قادرة على استيعاب أحجام أكبر من العمليات دون التأثير بشكل كبير على كفاءة التنفيذ، كما يشير إلى ارتفاع معدلات السيولة (الأموال داخل الأسهم)، وهي عنصر أساسي لجذب المستثمرين الأفراد والمؤسسات.
وكلما ارتفعت السيولة، زادت سهولة الدخول والخروج من الأسهم، وانخفضت الفجوات السعرية بين أوامر البيع والشراء، وهو ما يجعل السوق أكثر جاذبية للمستثمر المحلي والأجنبي، ويعزز من كفاءة تسعير الأسهم.
كما أن ارتفاع قيم التداول (حركة البيع والشراء) يعكس زيادة شهية المخاطرة لدى المستثمرين، ويؤكد أن هناك حالة من الثقة في اتجاه السوق، خاصة عندما تتزامن السيولة المرتفعة مع صعود المؤشرات الرئيسية وليس مع عمليات بيع عنيفة.
انعكاسات مباشرة على الأسهم والمؤشرات
الارتفاع الكبير في السيولة انعكس بصورة واضحة على أداء الأسهم، حيث شهدت العديد من الأسهم القيادية (الأسهم الكبرى ليها حجم وسعر كبير) تداولات قوية ساهمت في دعم المؤشر الرئيسي، بينما واصلت أسهم الشركات الصغيرة والمتوسطة جذب اهتمام المستثمرين، مع ارتفاع أحجام التداول عليها بصورة ملحوظة.
كما ساعدت السيولة المرتفعة على تنفيذ صفقات كبيرة دون التأثير الحاد على الأسعار، (يعني يتم تنفيذ عملية بيع أو شراء كبيرة ومتأثرش على حركة السهم بشكل كبير علشان فيه سيولة بتعوض العملية) وهو ما عزز من استقرار حركة السوق، ورفع من معدلات دوران الأسهم، (حركة الأسهم بين المستثمرين وتبديل مراكز البيع والشراء) في مؤشر على اتساع قاعدة المشاركة بين مختلف فئات المستثمرين.
تشير هذه التطورات إلى أن النشاط لم يعد مقتصرًا على قطاع أو مجموعة محددة من الأسهم، بل امتد إلى قطاعات متنوعة، بما يعكس تحسنًا عامًا في شهية الاستثمار داخل البورصة المصرية.
هل يستمر الزخم خلال الفترة المقبلة؟
استمرار قيم التداول فوق مستوى 15 مليار جنيه سيظل مرهونًا بقدرة السوق على الحفاظ على المحفزات الحالية، وفي مقدمتها استمرار النتائج المالية الإيجابية للشركات، واستقرار الأوضاع الاقتصادية، ووضوح السياسات التنظيمية والضريبية، إلى جانب استمرار تدفق السيولة المحلية والأجنبية بحسب محمود عطا خبير سوق المال.
وحال استمرت هذه العوامل، فقد تشهد البورصة مرحلة جديدة من النشاط تتجاوز فيها متوسطات التداول السابقة، بما يدعم المؤشرات الرئيسية ويزيد من جاذبية السوق أمام المستثمرين، أما إذا تراجعت السيولة بصورة حادة فقد تعود قيم التداول إلى مستوياتها الطبيعية، خاصة بعد انتهاء تأثير المحفزات قصيرة الأجل كنتائج الأعمال.
وفي جميع الأحوال، فإن تجاوز حاجز 15 مليار جنيه في الجلسة الواحدة يمثل رسالة إيجابية بأن البورصة المصرية استعادت قدرًا كبيرًا من الزخم والسيولة، وهو ما يعزز فرص استمرار النشاط خلال الفترة المقبلة إذا ما تواصلت المحفزات الداعمة للاستثمار.





