لم يعد اكتشاف المواهب في كرة القدم المصرية مجرد رحلة بحث عن لاعب صغير يمتلك الموهبة ويمكن أن يتحول بعد سنوات إلى نجم كبير، القطاع نفسه دخل مرحلة مختلفة أصبحت فيها لغة الاستثمار والتسويق والعمولات حاضرة بقوة إلى جانب الجانب الفني.
المشكلة ليست في وجود المال داخل منظومة اكتشاف الناشئين، كرة القدم صناعة والموهبة أصل استثماري يمكن أن ترتفع قيمته بشكل كبير، لكن الأزمة تبدأ عندما يتحول الهدف من صناعة اللاعب إلى تسويقه بأسرع وقت ممكن، وقتها يصبح اللاعب الذي يحتاج إلى سنوات من التطوير أقل جاذبية من لاعب جاهز يمكن بيعه أو نقله إلى ناد أكبر خلال فترة قصيرة.
الموهبة كأصل استثماري
اقتصاديا يمكن النظر إلى اللاعب الشاب باعتباره أصلا قابلا للنمو، النادي أو الأكاديمية تستثمر في التدريب والرعاية والتجهيزات ثم تنتظر ارتفاع قيمة اللاعب مستقبلا، وهذا النموذج موجود في كل أسواق كرة القدم الكبرى، لكن الفارق يكون في طريقة إدارة الاستثمار.
النموذج الصحي يبدأ باكتشاف اللاعب ثم تطويره فنيا وبدنيا ونفسيا قبل التفكير في العائد المالي، أما عندما تصبح الأولوية للربح السريع فإن الكشاف أو الأكاديمية قد يبحث عن اللاعب الأكثر جاهزية للبيع بدلا من اللاعب صاحب أعلى قابلية للتطور، وهنا تضيع مواهب تحتاج إلى وقت أطول حتى تظهر قيمتها الحقيقية.
الأكاديمية أصبحت بوابة اقتصادية
واحدة من أكثر نقاط الأزمة حساسية ترتبط بالأكاديميات الخاصة، الأكاديمية تحتاج إلى إيرادات حتى تستمر وهذا أمر طبيعي، لكن انتشار نموذج يعتمد بدرجة كبيرة على اشتراكات أولياء الأمور يجعل القدرة المالية للأسرة عاملا مؤثرا في فرص الطفل داخل المنظومة.
هنا تظهر مفارقة اقتصادية واضحة، الموهبة التي تأتي من أسرة قادرة على تحمل رسوم التدريب والانتقالات والمعدات والبطولات تحصل على فرصة أكبر للظهور أمام المدربين والكشافين، بينما اللاعب الموهوب القادم من قرية أو نجع أو مركز شباب بسيط قد لا يستطيع حتى تحمل تكلفة الاستمرار في المسار نفسه.
وبذلك يصبح المال أحيانا بوابة للوصول إلى الكشاف بدلا من أن تكون الموهبة هي البوابة.
اختفاء كشاف الشارع
في الماضي كان اكتشاف اللاعب يمكن أن يبدأ من مدرسة أو مركز شباب أو ملعب صغير، الكشاف الحقيقي كان يتحرك خلف اللاعب ولا ينتظر أن يصل إليه اللاعب عبر فيديو على الهاتف.
هذا النموذج كان أقل تكلفة وأكثر انتشارا لأنه يعتمد على شبكة بشرية واسعة من المدربين والخبراء الذين يعرفون المناطق ومراكز الشباب والبطولات المحلية، أما اليوم فأصبح الفيديو القصير ومنصات التواصل وشركات التسويق جزءا من عملية اكتشاف اللاعبين.
التكنولوجيا ليست المشكلة في حد ذاتها، بالعكس يمكن أن تخفض تكلفة البحث وتسمح لكشاف في القاهرة بمشاهدة لاعب في محافظة بعيدة خلال دقائق، لكن الخطر يظهر عندما يتحول الفيديو إلى بديل عن المشاهدة الفنية الحقيقية.
لقطة مهارية مدتها 30 ثانية يمكن أن تظهر أفضل ما لدى اللاعب، لكنها لا تكشف بالضرورة شخصيته أو قراراته تحت الضغط أو قدرته على التطور أو التزامه داخل الملعب.
العمولات تدخل على الخط
كلما أصبحت عملية انتقال اللاعب أكثر ارتباطا بالسوق زادت أهمية الوسطاء وشركات التسويق والوكلاء، وهنا تتحول الموهبة إلى سلسلة اقتصادية تضم الأكاديمية والكشاف والنادي والوكيل وأحيانا شركة التسويق.
كل طرف يبحث عن نصيبه من القيمة المستقبلية للاعب، المشكلة تظهر عندما يصبح قرار انتقال اللاعب مرتبطا بحجم العمولة أو العلاقة التجارية أكثر من ملاءمة الانتقال لمسيرته، فاللاعب الذي ينتقل مبكرا إلى ناد أكبر ليس بالضرورة اللاعب الذي سيصل إلى أعلى قيمة مستقبلية.
أحيانا يكون الاستثمار الحقيقي هو إبقاء اللاعب في بيئة مناسبة لموسم أو موسمين إضافيين حتى يكتمل نموه.
الطفل يدفع فاتورة السباق
الأخطر أن هذه المعادلة تبدأ أحيانا في أعمار صغيرة جدا، عندما يتعامل المحيطون بالطفل مع لاعب في العاشرة أو الثانية عشرة باعتباره مشروعا استثماريا يبدأ الضغط مبكرا، الطفل يصبح مطالبا بإثبات نفسه في كل مباراة لأنه يشعر أن مستقبله مرتبط بنظرة الكشاف أو قرار الأكاديمية.
وهنا يدخل عامل الاحتراق النفسي، الهدف الأساسي في هذه المرحلة يجب أن يكون تطوير المهارات وحب اللعبة وبناء الشخصية الرياضية، لكن ضغط المقارنة والانتقال المبكر والبحث عن وكيل أو ناد يمكن أن يحول كرة القدم من لعبة إلى وظيفة قبل أن يكون الطفل مستعدا لذلك.
مختصون يتحدثون إلى استثمارك نيوز عن القصية
قال متخصص في اقتصاد الرياضة لـ استثمارك نيوز عن القضية: “المشكلة ليست في دخول الاستثمار إلى قطاع الناشئين وإنما في غياب نموذج يقيس العائد من تطوير اللاعب على المدى الطويل بدلا من البحث عن مكسب سريع من انتقاله.”
وأضاف مدرب ناشئين في أحد أندية الدوري: “هناك مواهب كثيرة خارج الأكاديميات الكبرى تحتاج فقط إلى من يراها، ويمكن أن تساعد التكنولوجيا في الوصول إليها لكنها لا تستطيع وحدها أن تحل محل العين الفنية.”
فيما قال خبير في إدارة المواهب الرياضية: “اللاعب الصغير يجب أن يكون مشروعا للتطوير وليس سلعة للبيع، ارتفاع قيمته مستقبلا هو نتيجة طبيعية لجودة الاستثمار فيه.”
أين توجد الفرصة؟
رغم الأزمة فإن السوق المصري يمتلك فرصة اقتصادية ضخمة إذا أعيد تنظيم منظومة اكتشاف المواهب.
إنشاء قواعد بيانات حقيقية للاعبين في المحافظات وربط مراكز الشباب بالأندية وتطوير بطولات المناطق واستخدام التكنولوجيا لمتابعة اللاعبين يمكن أن يقلل تكلفة البحث ويرفع جودة الاختيار.
كما يمكن إنشاء نماذج اكتشاف تعتمد على مؤشرات فنية وبدنية ونفسية وليس على عدد المتابعين أو قدرة الأسرة على دفع الرسوم.
النموذج الأفضل اقتصاديا ليس الذي يبيع أكبر عدد من اللاعبين بسرعة، بل الذي يكتشف لاعبا بتكلفة منخفضة ثم يطور قيمته لسنوات حتى يصبح انتقاله أو صعوده للفريق الأول عائدا حقيقيا على النادي واللاعب والأسرة.
في النهاية يبقى محمد صلاح نموذجا يذكر الجميع بأن الجوهرة يمكن أن تأتي من خارج الدوائر التقليدية، لكن صناعة النجوم تحتاج إلى منظومة تبحث عن الموهبة حيث توجد فعلا لا حيث تستطيع أن تدفع أكثر.





