شهدت أسعار الذهب خلال سبتمبر 2026 تراجعًا واضحًا في الأسواق العالمية، إذ فقدت الأوقية (وحدة قياس وزن الذهب وتساوي نحو 31.1 جرامًا) نحو 6.7% من قيمتها، تحت ضغط قوة الدولار وارتفاع عوائد السندات الأمريكية وتجدد توقعات تشديد السياسة النقدية، إلا أن الخسائر في السوق المصرية جاءت أقل من نصف هذا المستوى تقريبًا، ليتراجع جرام الذهب عيار 21 بنحو 3.5%.
يعكس هذا الفارق أن سعر الذهب في مصر لا يرتبط بحركة الأوقية العالمية وحدها، وإنما تحدده مجموعة من العوامل في مقدمتها سعر صرف الدولار أمام الجنيه، إلى جانب الفارق بين السعر المحلي والقيمة النظرية للمعدن وفق الأسعار العالمية.
الدولار يمتص جزءًا من صدمة الهبوط العالمي
تراجع الأوقية من نحو 4452 دولارًا في بداية سبتمبر إلى حوالي 4155 دولارًا بنهاية الشهر، بخسارة تقارب 297 دولارًا، بينما انخفض جرام الذهب عيار 21 محليًا من 6330 جنيهًا إلى 6110 جنيهات، بفارق 220 جنيهًا فقط.
ويرجع جانب مهم من هذا الاختلاف إلى ارتفاع الدولار أمام الجنيه، إذ تحرك سعر العملة الأمريكية من نحو 50.97 جنيه في بداية الشهر إلى قرابة 52 جنيهًا في نهايته.
بالتالي، فإن انخفاض قيمة الذهب بالدولار لم ينتقل بنفس النسبة إلى السعر المقوم بالجنيه؛ لأن ارتفاع سعر الدولار يعني أن قيمة الأوقية عند تحويلها إلى العملة المحلية تصبح أعلى نسبيًا، وهو ما يعمل على امتصاص جزء من الخسائر العالمية.
إعادة البيع تضغط على الأسعار
في المقابل، واجه السوق المحلي عاملًا معاكسًا تمثل في ضعف الطلب وزيادة عمليات إعادة بيع الذهب، وهو ما حد من قدرة الأسعار على الاحتفاظ بعلاوة أكبر.
وتكشف إعادة البيع عن وظيفة أخرى للذهب داخل السوق المصرية، باعتباره أحد أشكال الادخار (الاحتفاظ بجزء من الأموال في أصل يمكن بيعه وتحويله إلى سيولة عند الحاجة)، وليس مجرد أداة للاستثمار طويل الأجل.
لكن زيادة المعروض الناتج عن إعادة البيع قد تضغط على الأسعار، خاصة عندما يتزامن ذلك مع تراجع الطلب الجديد، وهو ما يفسر جزئيًا لماذا لم ترتفع الأسعار المحلية بنفس قوة تأثير ارتفاع الدولار.
الفائدة الأمريكية تضغط على الذهب عالميًا
على الجانب العالمي، كان ارتفاع أسعار الفائدة والعوائد من أبرز العوامل التي ضغطت على الذهب خلال سبتمبر.
ويُقصد بالعائد على السندات (النسبة التي يحصل عليها المستثمر مقابل الاحتفاظ بالسند) أنه كلما ارتفع، زادت جاذبية أدوات الدخل الثابت مقارنة بالذهب الذي لا يدر عائدًا دوريًا.
كما أن تشديد السياسة النقدية (رفع الفائدة أو الإبقاء عليها عند مستويات مرتفعة للحد من التضخم) يدعم عادة الدولار ويزيد تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالذهب، ما يضغط على الطلب الاستثماري على المعدن.
مع ارتفاع الدولار وعوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات خلال سبتمبر، تعرضت الأوقية لموجة بيع دفعتها إلى مستويات قرب 4110 دولارات في 28 سبتمبر.
النفط أضاف ضغطًا جديدًا
لم تكن الفائدة والدولار العاملين الوحيدين، إذ سجل خام برنت ارتفاعًا شهريًا يقارب 14%، ما أعاد مخاوف التضخم إلى الأسواق.
ويعني ارتفاع أسعار النفط زيادة تكاليف الطاقة والنقل والإنتاج، وهو ما قد يرفع توقعات التضخم (التوقعات المتعلقة باستمرار ارتفاع المستوى العام للأسعار)، ويجعل الأسواق أكثر حذرًا تجاه احتمالات خفض الفائدة.
بالتالي، فإن المفارقة تتمثل في أن التوترات الجيوسياسية وارتفاع النفط، وهما عاملان قد يدعمان الذهب عادة باعتباره ملاذًا آمنًا، يمكن أن يتحولا إلى عامل ضغط عليه إذا أديا إلى ارتفاع التضخم والعوائد وتراجع احتمالات خفض الفائدة.
هل يعني ذلك أن الذهب فقد دوره كحافظ للقيمة؟
رغم خسائر سبتمبر، فإن قراءة أداء الذهب منذ بداية العام تقدم صورة مختلفة، فجرام الذهب عيار 21 ارتفع من 5830 جنيهًا في بداية 2026 إلى 6110 جنيهات بنهاية سبتمبر، محققًا مكسبًا بنحو 280 جنيهًا، أو حوالي 4.8%.
في المقابل، تراجعت الأوقية عالميًا بنحو 3.8% منذ بداية العام، وهو ما يؤكد مرة أخرى أن أداء الذهب للمستثمر المصري لا يمكن قياسه من خلال حركة السعر العالمي فقط.
وتدخل تكلفة المصنعية (المبلغ الذي يضاف إلى سعر الذهب الخام مقابل التصنيع والتشكيل) وفروق البيع والشراء ومدة الاحتفاظ بالذهب في تحديد العائد الفعلي للمستهلك أو المستثمر.
لذلك، فإن ارتفاع الذهب بالجنيه رغم تراجع الأوقية بالدولار لا يعني بالضرورة تحقيق المستثمر عائدًا صافيا بنفس النسبة، كما أن تراجع الأوقية في شهر واحد لا يعني بالضرورة أن الذهب فقد دوره كأداة لتنويع المدخرات على المدى الطويل.
المعادلة المصرية أكثر تعقيدًا من حركة الأوقية
تكشف تحركات سبتمبر أن سعر الذهب في مصر أصبح نتاجًا لـ3 متغيرات رئيسية هي: حركة الأوقية عالميًا، وسعر الدولار أمام الجنيه، والفارق بين السعر المحلي والقيمة النظرية للمعدن.
وعندما تتراجع الأوقية ويصعد الدولار، يمكن للعملة المحلية أن تمتص جزءًا من الخسائر العالمية، بينما يؤدي ضعف الطلب وزيادة إعادة البيع إلى الحد من قدرة السوق على تكوين علاوة سعرية كبيرة.
من ثم، فإن متابعة الذهب في مصر خلال الفترة المقبلة لن تعتمد فقط على اتجاه الفائدة الأمريكية أو الدولار عالميًا، وإنما ستتطلب مراقبة سعر الصرف المحلي، والسيولة، وحجم الطلب على المشغولات والسبائك، بالإضافة إلى اتجاه الأوقية نفسها.





