لم يكن اختبار سهم بنك القاهرة في أولى جلسات تداوله مجرد مقارنة بين سعر الطرح وسعر الإغلاق، فقد بدأ السهم بمكاسب لافتة، ثم تراجع دون سعر الطرح قبل أن ينهي الجلسة عند 5.31 جنيه، بزيادة قرش واحد فقط عن السعر المحدد للاكتتاب، البالغ 5.30 جنيه.
جاء ذلك رغم تغطية الطرح العام بنحو 27 مرة، ليطرح الأداء سؤالًا حول الفارق بين الإقبال على الاكتتاب والطلب الفعلي على السهم بعد إدراجه.
بداية قوية لم تصمد حتى الإغلاق
تحرك سهم بنك القاهرة صعودًا في الدقائق الأولى، وسجل أعلى مستوى عند 5.68 جنيه، بزيادة تقارب 7.2% عن سعر الطرح، قبل أن يفقد مكاسبه تدريجيًا ويتراجع خلال الجلسة إلى أقل من سعر الطرح، ثم يغلق عند 5.31 جنيه، بارتفاع 0.19% فقط، وبلغت قيمة التداولات نحو ملياري جنيه، عبر تداول 373.1 مليون سهم.
تختلف هذه الصورة عن أداء سهم «إم إن تي حالا»، الذي ارتفع في بداية أولى جلسات تداوله بنحو 12% وفقًا للبيانات التي أوردتها، قبل أن يقلص مكاسبه ويغلق مرتفعًا 6.6% عن سعر الطرح البالغ 24.50 جنيه.
وبذلك لم تكن المقارنة بين السهمين في حجم المكاسب المبكرة فقط، بل في قدرة كل منهما على الاحتفاظ بجزء من تلك المكاسب حتى نهاية الجلسة.
التغطية المرتفعة لا تعني بالضرورة طلبًا مستمرًا
تغطية الطرح العام لبنك القاهرة 27 مرة عكست طلبًا قويًا خلال فترة الاكتتاب، لكنها لا تعني أن جميع المكتتبين سيحتفظون بالأسهم بعد بدء التداول، أو أن الطلب سيظل أعلى من المعروض عند كل مستوى سعري، فالاكتتاب يسبق التداول، ويختلف فيه توقيت القرار وطبيعة المشاركين عن السوق المفتوحة التي تتغير فيها الأسعار لحظة بلحظة.
كما أن تغطية الاكتتاب تقيس حجم الطلبات المقدمة مقارنة بالأسهم المعروضة، بينما يتحدد سعر السهم بعد الإدراج من توازن أوامر الشراء والبيع، لذلك قد يجتمع إقبال كبير على الاكتتاب مع أداء محدود في أول جلسة، من دون أن يكون ذلك تناقضًا في حد ذاته؛ فلكل مرحلة ظروفها ومحدداتها.
مقارنة “حالا” تكشف اختلاف طبيعة الطلب
يقدم أداء “حالا” مثالًا على أن بعض الطروحات تستطيع الاحتفاظ بجزء أكبر من مكاسبها المبكرة، لكنه لا يكفي وحده لإثبات أن السوق غيّرت قواعد استقبال الطروحات، فالشركتان تعملان في نشاطين مختلفين، كما تختلف قاعدة المستثمرين وتوقعاتهم وطبيعة السهم وحجم المعروض وظروف السوق وقت بدء التداول.
يظل الفارق بين النتيجتين مؤشرًا يستحق المتابعة، لا حكمًا نهائيًا على نجاح أحد الطرحين أو تعثر الآخر، فالحكم يحتاج إلى رصد أداء السهمين خلال جلسات لاحقة، ومقارنة التداولات بالأسهم الحرة المتاحة، ومتابعة ما إذا كانت حركة السعر ناتجة عن طلب مستمر أم عن نشاط مكثف في بداية الجلسة ثم تراجع لاحق.
الاختبار الحقيقي يبدأ بعد جرس التداول
تُظهر جلسة بنك القاهرة أن المكاسب المبكرة لا تضمن إغلاقًا مرتفعًا، وأن سعر الطرح لا يتحول تلقائيًا إلى مستوى دعم للسهم بمجرد بدء التعامل عليه، وفي الوقت ذاته، لا يعني الإغلاق قرب سعر الطرح أن الصفقة فشلت؛ إذ لا يمكن اختزال أداء سهم جديد في جلسة واحدة، خاصة مع ارتفاع قيمة التداولات وتغير السعر خلال اليوم.
يكتسب ذلك أهمية في ظل آلية استقرار سعر السهم التي أُعلنت للمكتتبين في الطرح العام، والتي تتيح لهم، وفق الشروط المحددة، عرض الأسهم المخصصة لهم للبيع بسعر الطرح خلال فترة تمتد 30 يومًا.
لكن هذه الآلية لا تلغي دور العرض والطلب في السوق، ولا تعني أن جميع الأسهم المتداولة مشمولة بها؛ إذ ترتبط بشروط تخص الأسهم المخصصة في الطرح العام.
تتابع الطروحات يضغط على السيولة ويغيّر سلوك المستثمر
يرى خبير سوق المال حسام عيد، أن أداء بنك القاهرة في أول جلسة لا يمكن قراءته بمعزل عن تتابع الطروحات خلال فترة قصيرة، بدءًا من «إم إن تي حالا» ثم بنك القاهرة، مع ترقب طرح شركة مصر لتأمينات الحياة، إلى جانب زيادات رؤوس أموال الشركات المقيدة، فهذه العمليات تتنافس على السيولة المتاحة لدى المستثمرين، وقد تدفع بعضهم إلى إعادة توزيع محافظهم أو تسييل جزء من الأسهم القائمة لتوفير أموال للاكتتابات الجديدة.
حسب هذه القراءة، فإن تزامن الطروحات لا يعني بالضرورة ضعف الطلب على الشركات الجديدة، لكنه قد يحد من قدرة السوق على استيعابها جميعًا بالزخم نفسه، خاصة إذا تزامنت مع تراجع المؤشرات أو ارتفاع درجة الحذر لدى المستثمرين.
كما أن زيادة رأس المال في شركة مقيدة قد تستقطب جزءًا من السيولة التي كان يمكن توجيهها إلى شراء أسهم أخرى، بما يضيف منافسًا جديدًا على أموال المستثمرين.
تبرز أهمية هذا العامل عند مقارنة «حالا» ببنك القاهرة؛ إذ لا يكفي النظر إلى مكاسب الدقائق الأولى أو سعر الإغلاق وحدهما، بل يجب وضعهما في سياق حجم المعروض وتوقيت الطرح وحركة السيولة بين الاكتتابات والسوق الثانوية.
ومن ثم، قد يعكس إغلاق بنك القاهرة قرب سعر الطرح إعادة توزيع السيولة بين فرص استثمارية متزامنة، لا حكمًا نهائيًا على جاذبية البنك أو فشل الطرح.
هل تغيرت قواعد استقبال الطروحات؟
الأدق أن أداء بنك القاهرة يكشف حدود الرهان على مكاسب أول يوم، لا أنه يثبت بمفرده تغيرًا شاملًا في سلوك السوق، حيث إن المستثمرين قد يقبلون على الاكتتاب لأسباب تتعلق بسعر الطرح وحجم الشركة وتوقعات نموها، ثم يعيدون تقييم قراراتهم عند بدء التداول في ضوء السعر والسيولة والبدائل المتاحة.
من ثم، فإن قياس استقبال السوق للطروحات الجديدة يحتاج إلى أكثر من نسبة التغطية أو حركة السهم في الدقائق الأولى، فالمؤشرات الأهم تشمل قدرة السهم على الحفاظ على سعره، واستمرار التداولات، واتساع قاعدة المستثمرين، وأداءه خلال فترة تتجاوز الجلسة الأولى، أما اعتبار مكاسب أول يوم قاعدة ثابتة، فقد يرفع سقف التوقعات بصورة لا تتفق مع طبيعة التداول.
تبقى جلسة بنك القاهرة اختبارًا مهمًا لبرنامج الطروحات الحكومية، لكنها ليست وحدها كافية للحكم على نجاحه أو على شهية المستثمرين تجاه الطروحات المقبلة، فالنتيجة الأهم ستتضح مع استمرار التداول، وقدرة السهم على بناء سعر توازني يعكس تقييم المستثمرين للبنك، لا مجرد الزخم المحيط ببدء إدراجه.





