تترقب أسواق الذهب العالمية قرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بشأن أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة، في ظل تصاعد المخاوف من عودة الضغوط التضخمية مع ارتفاع أسعار النفط، وهو ما قد يعيد رسم توقعات السياسة النقدية الأمريكية ويؤثر على حركة الدولار وعوائد السندات والمعدن الأصفر.
وتأتي هذه التطورات بعدما سجل الذهب أدنى مستوياته في 3 أشهر، في إشارة إلى أن توقعات الفائدة باتت عاملًا رئيسيًا في تحديد اتجاه الأسعار، حتى مع استمرار التوترات الجيوسياسية.
وتكتسب تحركات ديسمبر أهمية خاصة في ضوء تغير توقعات الأسواق بشأن مسار السياسة النقدية؛ إذ يشير تحليل جولد بيليون إلى أن الأسواق كانت تتوقع تثبيت الفائدة خلال اجتماع الاحتياطي الفيدرالي في الأسبوع الجاري، مع وصول احتمالات رفعها خلال الاجتماع الأخير لهذا العام في ديسمبر إلى 90% وفقًا للبيانات الواردة في التحليل.
وتعكس هذه التوقعات حجم القلق من أن يؤدي ارتفاع النفط إلى زيادة التضخم وإجبار البنك المركزي الأمريكي على الإبقاء على سياسة نقدية أكثر تشددًا.
النفط يعيد التضخم إلى واجهة المشهد
يمثل ارتفاع أسعار النفط أحد أبرز العوامل التي تراقبها الأسواق عند تقييم قرارات الاحتياطي الفيدرالي، إذ تؤدي زيادة أسعار الطاقة إلى رفع تكاليف النقل والإنتاج، وقد تنتقل هذه الزيادة تدريجيًا إلى أسعار السلع والخدمات، بما يرفع معدلات التضخم.
ومع تجاوز أسعار النفط مستوى 100 دولار للبرميل، تزداد المخاوف من أن تصبح مهمة البنك المركزي الأمريكي أكثر تعقيدًا، خاصة إذا استمرت الضغوط السعرية لفترة طويلة، فالبنك المركزي يستهدف السيطرة على التضخم، ويستخدم أسعار الفائدة كأداة للتأثير على الاقتراض والإنفاق والاستثمار، بما يساعد على تهدئة الطلب عندما ترتفع الأسعار بوتيرة غير مرغوبة.
لكن ارتفاع النفط لا يعني بالضرورة اتخاذ قرار فوري برفع الفائدة، إذ يعتمد القرار على مجموعة من المؤشرات، من بينها مسار التضخم الأساسي، وأوضاع سوق العمل، وتوقعات النمو الاقتصادي. لذلك تراقب الأسواق ما إذا كانت زيادة أسعار الطاقة ستظل مؤقتة أم ستتحول إلى موجة تضخمية أوسع.
لماذا يضغط ارتفاع الفائدة على الذهب؟
تظهر العلاقة بين الفائدة والذهب بوضوح عندما ترتفع توقعات العائد على الأدوات المالية المقومة بالدولار؛ فالذهب لا يدر فائدة لحائزيه، بينما توفر بعض السندات والأدوات النقدية عائدًا دوريًا، ما يجعل المفاضلة بينهما أكثر أهمية للمستثمرين.
وعندما تتوقع الأسواق استمرار الفائدة عند مستويات مرتفعة أو زيادتها، قد تتراجع جاذبية الذهب نسبيًا، خاصة إذا ارتفعت العوائد الحقيقية (العائد بعد خصم التضخم).
في المقابل، قد يستفيد الذهب عندما تتجه الفائدة إلى الانخفاض، لأن تكلفة الاحتفاظ به مقارنة بالأصول المدرة للعائد تصبح أقل.
وانعكست هذه المخاوف على أداء المعدن الأصفر خلال الأسبوع الماضي، إذ تراجع سعر الأونصة (المعيار العالمي المعتمد لتسعير وتداول الذهب في البورصات وتساوي 31 جراما) بنسبة 4.1% إلى 3995 دولارًا عند إغلاق الأسبوع، بعدما سجل أدنى مستوى عند 3975 دولارًا.
كما كسر السعر مستوى الدعم ( نقطة إذا انخفض أسفلها أصبح في تراجع) عند 4100 دولار، وهو المستوى الذي كان يمثل الحد السفلي لنطاق تداول استمر نحو أربعة أسابيع، قبل أن يقترب من كسر الحاجز النفسي عند 4000 دولار.
وتشير هذه التحركات إلى أن الأسواق لا تتفاعل مع قرار الفائدة وحده، بل تتحرك أيضًا بناءً على توقعات المستثمرين للقرارات المقبلة، وهو ما قد يجعل أسعار الذهب شديدة الحساسية لأي بيانات جديدة بشأن التضخم أو الطاقة.
الدولار وعوائد السندات في مواجهة الذهب
لا يقتصر تأثير السياسة النقدية الأمريكية على الذهب من خلال الفائدة فقط، بل يمتد إلى الدولار وعوائد السندات الحكومية، فارتفاع توقعات الفائدة الأمريكية قد يعزز جاذبية الأصول المقومة بالدولار، وهو ما قد يضغط على الذهب المسعر بالعملة الأمريكية، خاصة بالنسبة للمشترين الذين يستخدمون عملات أخرى.
وفي المقابل، شهد الأسبوع الماضي انخفاضًا في عوائد السندات الحكومية الأمريكية إلى أدنى مستوياتها منذ نحو شهر، بالتزامن مع تراجع الدولار، وهي تطورات كان من المفترض أن توفر دعمًا للذهب.
لكن المعدن الأصفر واصل الهبوط، ما يعكس قوة تأثير توقعات التضخم والفائدة، إلى جانب عمليات البيع التي لجأ إليها بعض المستثمرين لتوفير السيولة وتعويض خسائر أسواق الأسهم.
وتكشف هذه المفارقة عن أن العلاقة بين الذهب والدولار والعوائد ليست آلية في جميع الأوقات؛ فقد تتغلب عوامل أخرى على التأثير المعتاد لهذه المتغيرات، خاصة خلال فترات اضطراب الأسواق وارتفاع الحاجة إلى السيولة.
اجتماع ديسمبر واختبار توقعات الأسواق
تتجه الأنظار إلى اجتماع ديسمبر باعتباره محطة مهمة لتقييم مدى استجابة الاحتياطي الفيدرالي للتغيرات في أسعار الطاقة والتضخم، فإذا استمرت الضغوط السعرية، فقد تعزز الأسواق رهاناتها على بقاء الفائدة مرتفعة أو زيادتها، وهو سيناريو قد يحد من فرص تعافي الذهب على المدى القصير.
أما إذا بدأت أسعار النفط في التراجع، أو أظهرت البيانات الاقتصادية انحسارًا في التضخم، فقد تتغير توقعات المستثمرين بشأن مسار الفائدة، بما قد يخفف الضغوط على المعدن الأصفر.
ومع ذلك، فإن أي تحسن في الذهب سيظل مرتبطًا بتفاعل مجموعة من العوامل، وليس ببيانات التضخم وحدها.
وتعني احتمالات رفع الفائدة التي أشار إليها تحليل جولد بيليون أن الأسواق تتعامل مع سيناريو التشديد النقدي باعتباره احتمالًا مؤثرًا في قراراتها، وليس قرارًا محسومًا من جانب البنك المركزي، لذلك قد تتغير تحركات الذهب مع صدور بيانات جديدة أو تصريحات من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي.
هل يصبح مسار الفائدة أهم من التوترات الجيوسياسية؟
أظهرت التطورات الأخيرة أن تصاعد الصراعات لا يكفي وحده لدفع الذهب إلى الصعود، إذ يمكن أن تؤدي تداعيات الأزمة نفسها إلى نتائج متعارضة؛ فالتوترات قد تزيد الطلب على الملاذات الآمنة، لكنها قد ترفع أسعار النفط أيضًا، بما يعزز المخاوف التضخمية ويؤجل خفض الفائدة.
ويرى خبراء اقتصاد أن تراجع الذهب رغم استمرار الصراع يرتبط بتأثير الفائدة والدولار، محذرًا من الاعتماد على الاعتقاد بأن المعدن الأصفر يرتفع بالضرورة مع كل أزمة، واستمرار الصراع قد يدفع الذهب إلى التراجع نحو 3500 دولار للأوقية إذا أدى ارتفاع النفط والتضخم إلى تشديد السياسة النقدية، بينما قد يؤدي انحسار الصراع إلى تغير اتجاه الأسعار.
وبذلك، لا تقتصر أهمية اجتماع ديسمبر على تحديد مستوى الفائدة في حد ذاته، بل تمتد إلى الإشارات التي سيقدمها الاحتياطي الفيدرالي بشأن مسار السياسة النقدية خلال الفترة التالية.
وستظل قدرة الذهب على استعادة اتجاهه الصاعد مرتبطة بمدى تراجع الضغوط التضخمية، واتجاه الدولار والعوائد، وحجم الطلب الاستثماري على المعدن الأصفر.





