تضع موجة الطروحات الجديدة في البورصة المصرية السيولة المتاحة أمام اختبار مزدوج، فبينما تفتح الشركات فرصًا جديدة أمام المستثمرين للدخول في أنشطة وقطاعات مختلفة، قد يضطر بعض المتعاملين إلى تقليص مراكزهم في الأسهم القائمة لتوفير الأموال اللازمة للاكتتاب، خاصة مع تقارب مواعيد الطروحات وارتفاع حجم الطلب المتوقع عليها.
ويأتي طرح «إم إن تي حالا» ثم الطرح المرتقب لبنك القاهرة في وقت تتزايد فيه أهمية قدرة السوق على استيعاب إصدارات جديدة دون إحداث ضغوط ممتدة على الأسهم المتداولة، ولا يعني تراجع بعض الأسهم بالتزامن مع الاكتتابات أن الطروحات هي السبب الوحيد، لكنه يطرح سؤالًا حول كيفية توزيع السيولة بين الفرص الجديدة والاستثمارات القائمة.
اكتتاب «حالا» يكشف حجم الأموال التي يمكن أن تتحرك نحو الطروحات
قدم اكتتاب «إم إن تي حالا» مؤشرًا واضحًا على حجم الطلب الذي يمكن أن تجذبه عملية طرح كبيرة عندما تتوافر توقعات نمو وتقييمات تجذب المستثمرين، فقد بلغ سعر الطرح 24.50 جنيه للسهم، وشمل بيع 320 مليون سهم تمثل 20% من رأس المال قبل الزيادة اللاحقة، بقيمة إجمالية بلغت 7.84 مليار جنيه.
وتوزعت الأسهم المطروحة بواقع 272 مليون سهم لشريحة الطرح الخاص للمستثمرين المؤهلين، و48 مليون سهم لشريحة الطرح العام، ووفقًا لبيانات التغطية المنشورة، تجاوز إجمالي الطلب على الشريحتين قيمة الأسهم المعروضة عدة مرات، فيما وصلت تغطية الشريحة العامة إلى 43.6 مرة بنهاية الاكتتاب.
كما أفادت الشركة بمشاركة 40 صندوقًا دوليًا من 10 دول في الطرح، وهو ما يعكس اهتمامًا مؤسسيًا بالفرصة الاستثمارية، لكنه لا يكفي وحده للحكم على اتجاه السيولة الأجنبية في السوق ككل؛ إذ يتوقف ذلك على ما إذا كانت الأموال قد دخلت من خارج السوق أم أعيد توجيهها من استثمارات أخرى.
وتبرز هنا نقطة مهمة: قيمة الطرح البالغة 7.84 مليار جنيه لا تعني بالضرورة خروج المبلغ نفسه من الأسهم المتداولة؛ لأن جزءًا من الاكتتابات قد يأتي من أموال جديدة، أو سيولة كانت محتفظًا بها خارج البورصة، أو تمويلات ومصادر أخرى، لذلك يحتاج قياس الضغط الفعلي إلى متابعة حركة التداولات ومصادر التمويل، وليس الاكتفاء بحجم الطرح أو معدل تغطيته.
من حجز السيولة إلى البيع.. كيف ينتقل الضغط إلى الأسهم القائمة؟
قد يبدأ تأثير الطروحات قبل فتح الاكتتاب نفسه، عندما يحتفظ المستثمرون بجزء من محافظهم في صورة نقدية تحسبًا لفرصة جديدة، أو عندما تقلل المؤسسات تعرضها لأسهم معينة استعدادًا لتوفير السيولة المطلوبة، ومع بدء الاكتتاب، قد يبيع بعض المستثمرين أسهمًا قائمة بالفعل، فتزداد الضغوط على أسعارها إذا لم يقابل المعروض طلب شراء كافٍ.
وتختلف حدة هذا الأثر باختلاف طبيعة المستثمرين. فالمؤسسات التي تخصص مبالغ محددة للطروحات قد تدير سيولتها مسبقًا، بينما قد يحتاج بعض الأفراد إلى تسييل استثمارات قائمة لتمويل اكتتاباتهم، كما أن المستثمر الذي يدخل الطرح بهدف تحقيق مكسب سريع قد يعيد توجيه الأموال إلى السوق الثانوية بعد بدء التداول، في حين قد يخرج بها من السوق إذا لم يجد فرصًا مناسبة.
ولا تتحرك جميع الأسهم بالضرورة في الاتجاه نفسه؛ إذ قد تتراجع أسهم بسبب نتائج أعمال ضعيفة أو تقييمات مرتفعة أو جني أرباح، بالتزامن مع صعود أسهم أخرى، لذلك فإن الربط بين تراجع الأسهم والطرح يحتاج إلى أدلة من تطور أحجام التداول، وصافي تعاملات المستثمرين، وأداء القطاعات، وتوقيت التحركات مقارنة بفترات الاكتتاب.
الطروحات المتزامنة.. هل تتنافس على السيولة نفسها؟
تزداد حساسية السوق عندما تتقارب مواعيد طرح شركات كبيرة، لأن المستثمرين قد يضطرون إلى المفاضلة بين فرص متعددة خلال فترة قصيرة، ويصبح السؤال حينها ليس فقط ما إذا كانت الشركات الجديدة جذابة، بل ما إذا كان حجم السيولة المتاحة يسمح بتمويل الاكتتابات مع استمرار الطلب على الأسهم القائمة.
ويمثل الطرح المرتقب لبنك القاهرة مثالًا على هذا التحدي؛ إذ يتضمن بيع 4.575 مليار سهم تمثل 30% من رأس المال وفق النشرة المنشورة، مع تخصيص الجزء الأكبر من الطرح للمستثمرين المؤهلين، وقد يجذب الطرح اهتمام المؤسسات، لكن تقييم أثره على بقية السوق سيتوقف على السعر النهائي، وحجم الطلب، ومصادر الأموال المستخدمة في الاكتتاب.
وفي المقابل، يمكن للطروحات الناجحة أن توسع قاعدة المستثمرين وتزيد تنوع القطاعات المتاحة في البورصة، كما قد تشجع مؤسسات أجنبية على دراسة السوق المصرية بصورة أوسع.
من ثم، فإن المنافسة بين الطروحات والأسهم القائمة ليست بالضرورة علاقة صفرية؛ فقد تجذب الطروحات أموالًا جديدة، أو تعيد توزيع السيولة الموجودة، أو تجمع بين المسارين.
السوق قادرة على الاستيعاب لكن بعض الأسهم قد تتعرض للضغط
يرى خبير سوق المال محمد حسن، أن قدرة البورصة المصرية على استيعاب طروحات كبيرة تحسنت مع اتساع السوق وزيادة أحجام التداول، مشيرا إلى أن بعض الأموال الموجهة للاكتتابات قد تأتي من بيع أسهم يمتلكها المستثمرون بالفعل، وهو ما قد يضغط على السوق الثانوية على المدى القصير.
وتكتسب هذه الرؤية أهميتها في التمييز بين قدرة السوق الإجمالية على استيعاب الطرح وبين تأثيره على كل سهم على حدة، فقد ينجح اكتتاب في جذب طلب قوي، بينما تتراجع أسهم أخرى بسبب خروج جزء من السيولة منها، دون أن يعني ذلك بالضرورة ضعف جاذبية السوق بالكامل.
وبناءً على ذلك، فإن تقييم أثر الطروحات يتطلب متابعة صافي السيولة الداخلة إلى السوق، والتغير في قيمة التداول، وسلوك المستثمرين الأفراد والمؤسسات، ومدى استمرار الطلب على الأسهم بعد انتهاء الاكتتابات. ولا يكفي ارتفاع التغطية وحده لإثبات أن السوق جذبت أموالًا جديدة.
المؤشر الأهم.. ماذا يحدث بعد انتهاء الاكتتاب؟
لا يتحدد نجاح الطرح بمجرد تغطية الأسهم المعروضة، بل بقدرة السهم على تكوين قاعدة مستثمرين مستقرة بعد بدء التداول، وبمدى احتفاظ السوق بجزء من الأموال التي دخلت خلال الاكتتاب، فإذا اتجهت الأموال إلى المضاربة قصيرة الأجل ثم خرجت سريعًا، فقد يكون أثر الطرح محدودًا على عمق السوق.
أما إذا اجتذب الطرح مستثمرين جددًا، وشجع المؤسسات على زيادة انكشافها على الأسهم المصرية، ورفع مستويات التداول بصورة مستدامة، فقد يتحول إلى عامل داعم للسوق بدلًا من أن يكون مصدر ضغط مؤقت على بعض الأسهم.
وتبقى المسألة الأساسية هي التمييز بين السيولة التي تنتقل من سهم إلى آخر والسيولة الجديدة التي تدخل السوق من خارجها، فالأولى تعيد توزيع الأموال بين الفرص المتاحة، أما الثانية فتزيد قدرة السوق على استيعاب الطروحات دون أن تتحمل الأسهم القائمة وحدها تكلفة المنافسة على السيولة.





