في خطوة تعكس تصاعد المنافسة بين منصات البث الرقمي على المحتوى الرياضي، أعلنت نتفليكس حصولها على حقوق البث الحصرية لمباريات كأس العالم 2030 داخل إسبانيا، إحدى الدول المستضيفة للبطولة، في تحرك يوسع حضور المنصة في سوق الحقوق الرياضية الكبرى.
وبحسب تفاصيل الاتفاق الواردة في الإعلان، ستتولى المنصة بث المباريات الـ104 للبطولة مباشرة داخل السوق الإسبانية، بمشاركة 48 منتخبًا، في نسخة تستضيفها إسبانيا والبرتغال والمغرب، مع إقامة ثلاث مباريات افتتاحية في أمريكا الجنوبية.
وتكتسب الخطوة أهميتها من القيمة التجارية التي يمثلها كأس العالم باعتباره أحد أكبر الأحداث الرياضية جذبًا للمشاهدة عالميًا، فحقوق البث لا تمنح المنصة مجرد محتوى إضافي، بل فرصة لاستقطاب مشتركين جدد، وزيادة ارتباط المستخدمين بالخدمة، وتعزيز قدرتها على المنافسة في سوق الترفيه الرقمي.
ومع ذلك، فإن الإعلان عن الاتفاق لا يكشف وحده عن حجم المقابل المالي أو العائد المتوقع من الصفقة، ما يجعل تقييم أثرها الاقتصادي مرتبطًا لاحقًا بتفاصيل الحقوق وتكلفتها ومؤشرات المشاهدة والاشتراكات.
مباريات مجانية للحفاظ على الانتشار الجماهيري
يتضمن نموذج البث المعلن إتاحة مباراة واحدة مجانًا يوميًا للجماهير داخل إسبانيا، إلى جانب نقل مجموعة من المواجهات عبر قناة وطنية مجانية، تشمل جميع مباريات المنتخب الإسباني، ومباراتي نصف النهائي والمباراة النهائية.
ويعكس هذا التوجه محاولة للجمع بين القيمة التجارية للحقوق المدفوعة وضرورة الحفاظ على وصول الجمهور إلى المباريات الكبرى، فإتاحة بعض المواجهات مجانًا قد تساعد على توسيع قاعدة المشاهدة وتعزيز الاهتمام بالبطولة، بينما تتيح الحقوق الحصرية للمنصة تقديم تجربة مشاهدة متكاملة عبر الإنترنت.
ومن منظور اقتصاد الإعلام الرياضي، يمثل توزيع المباريات بين منصة رقمية وقنوات مجانية نموذجًا يستهدف شرائح مختلفة من الجمهور، بدلًا من الاعتماد على الاشتراكات وحدها، كما أن المباريات التي يشارك فيها المنتخب الإسباني أو التي تحسم اللقب تتمتع بأهمية جماهيرية خاصة، ما يفسر إدراجها ضمن المحتوى المتاح عبر البث المجاني وفقًا للتفاصيل المعلنة.
أول اتفاق رئيسي لمونديال الرجال
تمثل الصفقة توسعًا مهمًا لنتفليكس في حقوق بطولات كرة القدم الكبرى للرجال، بعدما سبق للمنصة إبرام اتفاق مع الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» عام 2024 للحصول على حقوق بث كأس العالم للسيدات في الولايات المتحدة خلال نسختي 2027 و2031.
ويشير هذا المسار إلى أن المحتوى الرياضي بات جزءًا من المنافسة بين منصات البث، إلى جانب الأفلام والمسلسلات والبرامج الأصلية، فالرياضة الحية تقدم عنصرًا مختلفًا عن المحتوى المسجل، لأنها ترتبط بموعد محدد وتدفع الجماهير إلى المتابعة الفورية، وهو ما قد يساهم في جذب المستخدمين والحد من إلغاء الاشتراكات.
لكن نجاح هذا النموذج يتوقف على قدرة المنصة على تحقيق توازن بين تكلفة الحقوق والعائد التجاري، خصوصًا في ظل ارتفاع المنافسة على المحتوى الرياضي وتعدد الخيارات المتاحة أمام المشاهدين.
2030.. مونديال استثنائي وفرص تجارية واسعة
تحمل نسخة 2030 أهمية رمزية، إذ تتزامن مع مرور مئة عام على انطلاق كأس العالم في أوروجواي عام 1930، وستقام ثلاث مباريات افتتاحية في أوروجواي والأرجنتين وباراجواي، قبل انتقال بقية المنافسات إلى أوروبا وشمال أفريقيا.
وفي ملف المباراة النهائية، يبرز ملعب سانتياجو برنابيو في مدريد وملعب الملك الحسن الثاني الجاري تشييده بالقرب من الدار البيضاء ضمن الخيارات المحتملة لاستضافة اللقاء، مع سعة متوقعة للأخير تبلغ 115 ألف متفرج.
ويضيف التنافس على استضافة النهائي بعدًا اقتصاديًا آخر، إذ ترتبط المباراة الأخيرة عادةً باهتمام جماهيري وإعلامي واسع، فضلًا عن الفرص التجارية المرتبطة بالرعاية والإعلانات والضيافة الرياضية، وإن كانت العوائد الفعلية تتوقف على ترتيبات الاستضافة النهائية.
تحليل اقتصادي.. تحول متزايد في سوق الحقوق الرياضية
تكشف خطوة نتفليكس عن تحول متزايد في سوق الحقوق الرياضية، حيث لم تعد المنافسة مقتصرة على القنوات التقليدية، بل امتدت إلى المنصات الرقمية التي تسعى إلى توظيف الأحداث الكبرى في زيادة الاشتراكات وتعزيز ولاء المستخدمين.
وتبرز أهمية الصفقة في الجمع بين البث الحصري وإتاحة محتوى مجاني، بما يخلق توازنًا بين تحقيق العائد التجاري والوصول الجماهيري.
ومع ذلك، سيظل الحكم على نجاح التجربة مرتبطًا بالقيمة المالية للحقوق وتكلفة إنتاج البث وحجم المشاهدة والعائد الناتج عن الاشتراكات والإعلانات.


