تدفع تقلبات البورصة بعض المستثمرين إلى إعادة ترتيب محافظهم والبحث عن أدوات أقل تذبذبًا، لكن ذلك لا يعني بالضرورة انتقالًا جماعيًا أو دائمًا من صناديق الأسهم إلى الصناديق النقدية، فقرار المستثمر يتأثر أيضًا بأفقه الزمني، وحاجته إلى السيولة، والعائد الذي يتوقعه، ومدى قدرته على تحمل انخفاضات مؤقتة في قيمة الاستثمار.
توضح بيانات الربع الثالث من 2026 أن الصورة أكثر تعقيدًا من مجرد هروب من الأسهم إلى النقد، فقد تجاوز صافي أصول صناديق الاستثمار في مصر 504.7 مليار جنيه بنهاية سبتمبر، وارتفع عدد الوثائق بنحو 19.2% مقارنة بنهاية يونيو.
في الوقت ذاته، زادت أصول صناديق أسواق النقد إلى نحو 303.1 مليار جنيه، لكنها نمت بنحو 2.1% فقط خلال الربع، بينما ارتفعت أصول صناديق المؤشرات بنحو 82.6% إلى 13.1 مليار جنيه.
وتشير هذه الأرقام إلى استمرار نمو الصناديق النقدية بحكم حجمها الكبير، بالتوازي مع توسع في بعض الصناديق المرتبطة بالأسهم، لا إلى تحول موحد بين الفئتين.
النقد يوفر هدوءًا نسبيًا وسيولة أعلى
تستثمر صناديق أسواق النقد عادة في أدوات قصيرة الأجل، مثل أذون الخزانة والودائع وأدوات الدين قصيرة الأجل، لذلك تكون تحركات قيم وثائقها عادة أقل ارتباطًا بالتذبذب اليومي للأسهم، وتناسب من يحتاج إلى إدارة أمواله لفترات أقصر أو يريد الاحتفاظ بسيولة يمكن استردادها وفقًا لشروط الصندوق.
لكن وصفها بأنها «آمنة» على نحو مطلق قد يكون مضللًا؛ فهي ليست وديعة مصرفية مضمونة، وقد تتأثر عوائدها بتغير أسعار الفائدة، كما تختلف شروط الاسترداد والمخاطر من صندوق إلى آخر، والميزة الأساسية هنا هي انخفاض التذبذب النسبي، لا انعدام المخاطر.
صناديق الأسهم قد تتراجع لكنها تظل خيارًا مختلفًا
في المقابل، ترتبط صناديق الأسهم وصناديق المؤشرات بحركة السوق بدرجات متفاوتة، وقد تنخفض قيمة وثائقها مع تراجع الأسهم التي تضمها.
ويظهر أثر ذلك في أداء الربع الثالث، إذ بلغ متوسط عائد صناديق الأسهم 5.55%، مقابل 13.03% لصناديق الأسهم، غير أن هذه النتائج تغطي فترة محددة، ولا تكفي وحدها للحكم على أداء الصناديق خلال موجة تراجع لاحقة أو على العائد المتوقع مستقبلًا.
كما أن التراجع لا يدفع كل المستثمرين إلى البيع؛ فبعضهم قد يحتفظ بوثائقه إذا كان يستثمر لأجل طويل، بينما قد يختار آخرون تقليل تعرضهم للأسهم أو توجيه الأموال الجديدة إلى أدوات أقل تقلبًا، ويعتمد الفرق على الهدف من الاستثمار، لا على حركة المؤشر وحدها.
ما الذي تقوله الأرقام عن سلوك المستثمرين؟
تشير بيانات الربع الثالث إلى أن أصول صناديق أسواق النقد ظلت تمثل قرابة 60% من إجمالي أصول الصناعة، ما يعكس وزنها الكبير في السوق المصرية، لكن الزيادة المحدودة في أصولها، مقارنة بالنمو السريع لصناديق المؤشرات، لا تقدم دليلًا على أن موجة التقلب الأخيرة وحدها كانت سببًا في تفضيل النقد على الأسهم.
قد تتداخل في حركة الأموال عوامل أخرى، منها توقيت إطلاق الصناديق، والعائد المتاح، واحتياجات الشركات والأفراد إلى السيولة، فضلًا عن إعادة توزيع الاستثمارات بين المنتجات.
ويقول أحمد أبو السعد، العضو المنتدب لشركة أزيموت مصر، إن نمو أصول الصناديق النقدية لا يعني بالضرورة دخول أموال جديدة إليها، فحجم هذه الصناديق الكبير يجعل العائد المتراكم يرفع قيمة أصولها حتى في حال حدوث استردادات.
وحسب قراءته لبيانات الربع الثالث، فإن الزيادة المسجلة في أصول الصناديق النقدية كانت أقل من الزيادة التي يمكن أن يحققها العائد وحده، بما يشير إلى خروج صافٍ للأموال خلال الفترة، لا إلى تدفق جديد واسع إليها.
الاختيار بين الصندوقين ليس قرارًا لحظيًا
الأقرب أن التقلبات تجعل المستثمر أكثر انتقائية، لا أن تدفعه تلقائيًا إلى استبدال صناديق الأسهم بالصناديق النقدية، فقد يستخدم الصندوق النقدي لإدارة السيولة أو انتظار فرصة استثمارية، ويحتفظ في الوقت نفسه بجزء من أمواله في الأسهم لتحقيق أهداف طويلة الأجل.
وقد يختلف القرار أيضًا بين الأموال الجديدة والاستثمارات القائمة، فالمستثمر قد يوجه مدخراته الجديدة إلى أداة أقل تذبذبًا من دون أن يبيع وثائقه الحالية في صناديق الأسهم.
لذلك، فإن اختبار ما إذا كان المستثمرون يفضلون الصناديق النقدية على حساب صناديق الأسهم يتطلب متابعة صافي التدفقات إلى كل فئة على مدى أكثر من فترة، لا الاكتفاء بمقارنة قيمة الأصول أو العوائد في ربع واحد، فالأصول قد ترتفع نتيجة العائد أو تغير الأسعار، بينما تكشف التدفقات بصورة أدق عن دخول الأموال وخروجها.
لذلك الصناديق النقدية قد تكتسب جاذبية أكبر عندما ترتفع المخاطر أو تزداد الحاجة إلى السيولة، لكن البيانات المتاحة لا تثبت تحولًا شاملًا إليها على حساب صناديق الأسهم، والأدق أن السوق يشهد تباينًا في اختيارات المستثمرين، حسب أهدافهم وقدرتهم على تحمل المخاطر، فيما تظل الصناديق النقدية أداة لإدارة السيولة، وصناديق الأسهم وسيلة للاستثمار في السوق مع قبول تذبذب أعلى.





