تحولت تصريحات قديمة للفرنسي كيليان مبابي، نجم ريال مدريد، إلى أزمة تتجاوز الجدل الجماهيري، بعدما أثار مقطع فيديو ظهر فيه ساخرًا من صورة تجمع ملامحه بوجه الزعيم الصيني السابق ماو تسي تونج ردود فعل غاضبة في الصين، انعكست على علاقاته التجارية وأثارت مخاوف بشأن مصالح النادي الملكي والدوري الإسباني.
وتكشف الأزمة عن حجم المخاطر التي تواجه العلامات التجارية الرياضية عند التعامل مع أسواق شديدة الحساسية تجاه الرموز السياسية والتاريخية، خصوصًا عندما يرتبط المنتج التجاري بنجم عالمي تتجاوز شعبيته حدود بلاده.
انسحاب الرعاة يضع القيمة التسويقية لمبابي تحت الاختبار
في محاولة لاحتواء الأزمة، اعتذر مبابي علنًا عن تصريحاته، واصفًا إياها بأنها غير موفقة، ومؤكدًا احترامه للشعب الصيني وتاريخه، وأنه لم يقصد الإساءة إلى أحد.
لكن الاعتذار لم يمنع التداعيات التجارية، إذ أفاد التقرير بإنهاء شركتي الألبان الصينية «منجنيو» والمشروبات «دونج بينج» علاقتهما الإعلانية مع اللاعب.
وتحمل هذه الخطوة دلالة اقتصادية تتجاوز قيمة العقود التي قد يخسرها مبابي، إذ يمكن أن تؤثر في جاذبيته التسويقية لدى شركات أخرى، إذا اعتبرت أن الارتباط باسمه قد يعرضها لضغوط جماهيرية أو تجارية داخل الصين.
وفي سوق تعتمد فيها الشركات على النجوم لتعزيز الانتشار وبناء الثقة مع المستهلكين، لا ترتبط قيمة اللاعب بعدد أهدافه أو إنجازاته فقط، بل بقدرته على الحفاظ على صورة عامة تتوافق مع مصالح شركائه.
شركة «أون» أمام اختبار السوق الصينية
تمتد المخاوف إلى شركة «أون» السويسرية المتخصصة في الملابس والأحذية الرياضية، التي أبرمت اتفاقًا مع مبابي وتسعى إلى توسيع حضورها في الأسواق العالمية.
وتكتسب الصين أهمية خاصة للعلامات الرياضية الدولية في ظل اهتمامها بتوسيع قاعدة عملائها في أنشطة مثل الجري والماراثونات والترياتلون.
ومن ثم، فإن أي تراجع في الحضور التسويقي أو صعوبة في استخدام صورة اللاعب داخل السوق الصينية قد يفرض على الشركات إعادة تقييم خططها الإعلانية، وإن كان حجم الخسائر الفعلية سيظل مرتبطًا بشروط العقود ومدى استمرار الأزمة.
ريال مدريد والليجا في دائرة المخاطر
لا تقف التداعيات عند مبابي ورعاته، بل قد تمتد إلى ريال مدريد، الذي يتمتع بقاعدة جماهيرية وحضور تجاري في الصين، إلى جانب أنشطته المرتبطة بمدارس كرة القدم هناك.
ويعتمد جزء من النشاط التجاري للأندية الكبرى على الانتشار العالمي، وتحويل الشعبية الجماهيرية إلى فرص للرعاية والتسويق والمنتجات الرسمية، لذلك، فإن استمرار الجدل قد يمثل مصدر قلق إذا انعكس على الحملات الإعلانية أو العلاقات مع الشركاء المحليين.
كما أفاد التقرير بأن وسائل إعلام صينية تحدثت عن وقف هيئة البث الحكومية عرض مباريات يظهر فيها مبابي، وإذا تأكد تطبيق هذا الإجراء واستمراره، فقد تتسع التداعيات لتشمل الظهور التلفزيوني للاعب، بما يثير تساؤلات بشأن تأثيره في جاذبية بعض المباريات إعلانيًا.
أما رابطة الدوري الإسباني، فقد سارعت إلى الاعتذار للشعب الصيني، وأكدت العمل مع شركائها والجهات المعنية لاحتواء الموقف، في ظل أهمية السوق الصينية لخططها التوسعية والتسويقية.
سوابق تؤكد حساسية السوق الصينية
تستحضر الأزمة وقائع سابقة، أبرزها الجدل الذي أثارته تصريحات الألماني مسعود أوزيل عام 2019 بشأن أقلية الإيغور، والأزمة التجارية التي أعقبت منشورًا لمدير عام فريق هيوستن روكتس دعم فيه احتجاجات مؤيدة للديمقراطية في هونغ كونغ.
وتوضح هذه الحالات أن الخلافات السياسية أو التصريحات المرتبطة بالرموز الوطنية يمكن أن تتحول إلى مخاطر اقتصادية حقيقية، تشمل الرعاية والبث والعلاقات التجارية، حتى عندما تبدأ الواقعة بتصريح فردي.
تحليل اقتصادي: القيمة التجارية لا تنفصل عن إدارة صورته العامة
تؤكد أزمة مبابي أن القيمة التجارية للنجم الرياضي لا تنفصل عن إدارة صورته العامة، وأن الأسواق الكبرى قد تفرض على الأندية والرعاة حسابات تتجاوز الأداء داخل الملعب.
ومع ذلك، لا يمكن الجزم بحجم الخسائر قبل معرفة القيمة الفعلية للعقود التي أُلغيت، ومدى استمرار أي قيود على البث، وتأثيرها في المشاهدات والإعلانات.
ويظل العامل الحاسم هو قدرة مبابي وريال مدريد والليجا على احتواء الأزمة واستعادة ثقة الشركاء الصينيين، فكلما طال الجدل، زادت احتمالات تحوله من أزمة علاقات عامة مؤقتة إلى تكلفة تجارية أوسع، بينما قد يحد الاعتذار والتحرك الدبلوماسي السريع من تداعياته على المدى الطويل.





