في ظل التحولات السريعة التي تشهدها السوق العقارية المصرية، تتزايد الحاجة لإطار تشريعي شامل يتجاوز مجرد تنظيم كيان مهني للمطورين.
وفي هذا السياق، يطرح المهندس أحمد أبو زيد، رئيس مجلس إدارة مجموعة أبتاون 6 أكتوبر، رؤية متكاملة لضبط المنظومة العقارية، تحمي حقوق كافة الأطراف من مطورين ومقاولين وممولين ووسطاء ومشترين وتتناول أبرز آليات التطوير التشريعي، بدءًا من تصنيف المطورين وحسابات الضمان، وصولاً إلى العقود المرجعية، وضوابط التسويق، ودعم التكنولوجيا.
بداية.. كيف تنظرون إلى مشروع قانون التطوير العقاري المتداول حاليًا تحت مسمى قانون اتحاد المطورين العقاريين؟
عندما نتحدث عن مشروع قانون التطوير العقاري المتداول حاليًا تحت مسمى “اتحاد المطورين”، أعتقد أننا نتجاوز بكثير فكرة التأسيس أو التنظيم لكيان مهني بحت، فالتحدي التشريعي الحقيقي يكمن في صياغة إطار متكامل ينظم السوق العقارية بكل أطرافها وعلاقاتهم المتبادلة بموضوعية وعدالة.
في تقديري، إن حصر هذه المنظومة الواسعة في مسمى “قانون اتحاد المطورين” لا يعكس بحالٍ حجم التحديات الراهنة ولا اتساع نطاق القضية المطروحة، ونحن لا نبتغي قانونًا يفصل مقاسًا على تنظيم كيان مهني واحد فحسب، بل نحتاج إلى تشريع شامل ومستدام يعيد ضبط المنظومة العقارية في مصر برمتها ويحمي مصالح كافة الأطراف.
لماذا تطالبون بإعادة صياغة مشروع القانون؟
ما يدفعنا لهذا الطلب هو التحولات الجذرية التي شهدتها السوق العقارية المصرية مؤخرًا، فظهور نماذج جديدة للمشروعات، وتطور آليات التمويل والبيع على الخريطة، بجانب اتساع دائرة المستثمرين والمصريين في الخارج، كلها عوامل فرضت واقعاً جديدًا، وهذا الواقع يستوجب تشريعًا عصريًا يواكب تلك المتغيرات، ويضبط بدقة حقوق والتزامات جميع أطراف المنظومة.
من وجهة نظركم.. من هم الأطراف الذين يجب أن يشملهم القانون؟
عندما نتحدث عن التطوير العقاري لا يمكن اختصار الأمر في العلاقة الثنائية بين المطور والمشتري، فالمنظومة أوسع بكثير وتتكامل فيها أطراف عدة.
تبدأ القصة من الملاك وجهات الترخيص والجهات التمويلية، وتمر بالمطور، والمقاول، والمقاولين من الباطن، والمكاتب الاستشارية، والموردين، وصولًا إلى وسطاء العقارات، والمنصات الرقمية، وشركات الإدارة والصيانة، وتنتهي بالمشتري أو المستثمر، وكل هذه الحلقات المرتبطة بحاجة ماسة إلى قواعد واضحة ومتوازنة تحمي حقوق الجميع.
ما أهمية تنظيم السوق العقارية بالنسبة للاقتصاد المصري؟
يعد القطاع العقاري أحد أهم محركات الاقتصاد المصري لارتباطه المباشر بعشرات الأنشطة والقطاعات، مثل المقاولات، والصناعات الهندسية، ومواد البناء، والنقل، والتمويل، والخدمات المهنية.
لذلك، فإن أي خلل في تنظيم هذا السوق لا يتوقف تأثيره عند المطور أو المشتري فحسب، بل تمتد تداعياته لتطال المقاولين، والموردين، والبنوك، وحجم العمالة الضخم المرتبط بهذا النشاط الحيوي.
ما أبرز المحاور التي يجب تضمينها في القانون الجديد؟
نرى ضرورة أن يرتكز القانون على محاور رئيسية عدة لضبط السوق، أبرزها وضع معايير موضوعية لقيد وتصنيف المطورين، واعتماد المشروعات ومراحلها المختلفة بوضوح قبل الشروع في الإعلان أو التعاقد عنها، فضلًا عن الإلزام بالإفصاح الشامل عن الموقف القانوني والمالي والفني لكل مشروع.
كما يجب أن يتضمن التشريع قواعد حاسمة لتنظيم “البيع على الخريطة”، وحماية أموال المشترين عبر حسابات الضمان والمشروعات، وتقديم مسوتدة عقود مرجعية تضمن الحد الأدنى من التوازن والعدالة بين المطور والعميل.
ولا يقل عن ذلك أهمية تنظيم العلاقات التشريعية بين المطورين من جهة، والمقاولين والمستشاريين والموردين من جهة أخرى، إلى جانب وضع إطار تشريعي واضح يرخص وينظم نشاط السمسرة وشركات التسويق العقاري.
ما أهمية حساب الضمان في حماية المتعاملين؟
يُعد حساب الضمان أو الحساب المستقل أداة محورية لحماية أموال المشترين وضمان الانضباط المالي للمشروعات، لكنه يظل جزءًا من الحل وليس الحل بمفرده.
الحماية الحقيقية تتطلب منظومة متكاملة تدمج حساب الضمان مع الإفصاح المالي والفني، وتصنيف المطورين، والمتابعة الدقيقة لنسب الإنجاز ومستحقات المقاولين، وصولًا إلى إقرار نظام فعال للإنذار المبكر وآلية واضحة للتدخل وإنقاذ المشروعات المتعثرة قبل تفاقم أزمتها.”
كيف ترون آلية إدارة حسابات الضمان؟
تتطلب إدارة حسابات الضمان إشرافًا مباشرًا من بنوك مرخصة، مع ربط مباشر لعمليات الصرف بنسب الإنجاز الفعلية والجداول الزمنية المعتمدة بناءً على تقارير هندسية دقيقة.
هذا التنظيم الدقيق يحقق الحماية الكاملة لأموال المتعاقدين، وفي الوقت ذاته يحافظ على مرونة التمويل المصرفي ويحمي حقوق المقاولين والمطورين على حد سواء.
ماذا عن العقود المبرمة بين المطور والمشتري؟
فيما يخص العقود المبرمة بين الطرفين، نرى ضرورة إقرار “مسودة عقد مرجعية” تضع الحد الأدنى من البيانات والحقوق والالتزامات الأساسية الواجب توافرها، دون أن يتحول الأمر إلى قالب جامد وموحد لكل المشروعات.
والتشريع يجب أن يمنح المطور المرونة لإضافة الشروط التي تفرضها طبيعة كل مشروع أو وحدة، شريطة ألا تتعارض مع أحكام القانون أو تنتقص من حقوق المتعاقدين، وبما يضمن توازنًا عادلًا يحمي حقوق الطرفين.
هل ترون أن تنظيم السمسرة والتسويق والإعلان العقاري يجب أن يكون جزءًا من القانون؟
بالتأكيد.. فلا يمكن لأي تنظيم للسوق العقارية أن يكتمل دون إطار واضح لوسطاء العقارات، وشركات التسويق، والأنشطة الإعلانية، باعتبارها ركائز أساسية تؤثر مباشرة على العلاقة بين المطور والمشتري.
ومن الضروري أن يحدد القانون شروط الترخيص ومزاولة المهنة، وينظم الإفصاح عن العمولات وحالات تعارض المصالح، مع تحديد دقيق لمسؤولية صحة البيانات المقدمة للعملاء، ويشمل ذلك أيضًا وضع ضوابط صارمة للإعلانات والمنصات الرقمية لمنع الترويج لأي مشروعات غير معتمدة أو نشر معلومات مضللة.
كيف يمكن التعامل مع التطور التكنولوجي في القطاع العقاري داخل الإطار التشريعي؟
نرحب بإدراج أدوات التحول الرقمي ضمن الإطار التشريعي الجديد، بما يشمل الترميز العقاري والسجلات الإلكترونية الموزعة وتقنيات البلوكتشين وحسابات الضمان الإلكترونية، لما يمكن أن توفره من مستويات أعلى من الشفافية وقابلية تتبع البيانات والتعاملات.
لكن يجب تطبيق هذه الأدوات ضمن إطار قانوني وتنظيمي واضح، فالترميز العقاري والبلوكتشين يمكن أن يسهما في تعريف العقار وتتبع البيانات والأموال، لكنهما لا ينبغي أن يكونا بديلًا عن التسجيل العقاري الرسمي، أو أن ينشئا بمفردهما ملكية أو حقًا عينيًا في مواجهة الغير، فالتكنولوجيا أداة لتطوير المنظومة وليست بديلًا عن القانون.
هل يعني طرح قانون شامل لتنظيم السوق العقارية إلغاء غرفة التطوير العقاري أو الانتقاص من دور الغرف والاتحادات والجمعيات المهنية؟
لا.. الدعوة إلى قانون شامل لتنظيم السوق لا تستهدف إلغاء غرفة التطوير العقاري أو الانتقاص من دور الغرف والاتحادات والجمعيات المهنية، وهذه الكيانات لها دور مهم في تمثيل مصالح أعضائها، وتقديم الدراسات والمقترحات، والمشاركة في الحوار التشريعي، ودعم التدريب وتطوير الممارسات المهنية.
إذن.. كيف ترون العلاقة بين التمثيل المهني والتنظيم والرقابة؟
المطلوب هو الفصل بوضوح بين التمثيل المهني من جهة، والتنظيم والرقابة من جهة أخرى، فالغرف والاتحادات تمثل القطاع وتقدم الرأي والمقترحات، بينما تتولى الدولة أو الجهة التنظيمية المختصة والمحايدة اعتماد المشروعات وحماية السوق وتطبيق القواعد والجزاءات.
ما الخطوة المطلوبة للوصول إلى تشريع متوازن؟
الخطوة الأهم للوصول إلى تشريع متوازن هي إطلاق حوار مجتمعي وتشريعي موسع، بحيث يجمع الجهات الحكومية والرقابية، والبرلمان، والمطورين، والمقاولين، والوسطاء، والمشترين، والمستثمرين، إلى جانب الخبراء ممثلين في جهاز حماية المستهلك.
والهدف الأساسي من هذا الحوار هو الخروج بإطار تشريعي يحمي كافة المتعاملين دون أن يعطل حركة الاستثمار، وفي الوقت نفسه يدعم المطورين الجادين ويحافظ على بيئة تنافسية عادلة داخل السوق.
ما رؤيتكم لمستقبل السوق العقارية بمصر في ظل هذه التحديات التشريعية؟
مصر تمتلك واحدة من أكبر الأسواق العقارية في المنطقة، ولديها فرص كبيرة تؤهلها لتعزيز مكانتها كمركز إقليمي للتطوير والتصدير العقاري، وتحقيق ذلك يتطلب منظومة أكثر شفافية وتكاملًا وقدرة على التطور.
لذلك فإن إعادة النظر في نطاق القانون ليست مسألة شكلية، وإنما تعكس ضرورة الانتقال من قانون يركز على تنظيم كيان مهني واحد إلى قانون متكامل ينظم السوق العقارية باعتبارها أحد المحركات الأساسية للاقتصاد المصري.





